بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ..
التشبيه ، أو الوصف ليس وسيلة يُتوصّل بها إلى معرفة أسلوب آخر ؛ و إنما هو مقصود لذاته ، فإن كان علم البيان التأثير في النفوس ، فإنّ من أكثر أبوابه التشبيه .. لأنه يزيد المعنى وضوحا و يكسبه تأكيدا ؛ فهو كنز من كنوز البلاغة ، و مادة الشاعر المُفلِق الذي باستطاعته أن يضع الكلام بعيد المرام ، قريبا من الأفهام ؛ و كأنه صورة شاخصة تتراقص أمام الأنام !
فأما التشبيه اليوم فلقد صار تكلفا و كأنه صوفٌ انجذب بقوة من سفود ، بعد ما كان ينبعث من النفس بسلاسة السليقة ..!
و إليك أخي القارئ هذه الطاقات من الأزهار أخترتها لك من بساتين الشعراء أصحاب الأوصاف و التشبيهات و الأذواق الأصيلة ::
في تشبيه الهلال و الثريا :
وانظر إليهِ كزورقٍ من فضة ... قد أثقلتهُ حمولةٌ من عنبرِ
والجو من شفقِ الغروبِ مفروزٌ ... كحديقةٍ حفتْ بوردٍ أحمر
* * * * * * * * * *
وترى الثريا والهلالَ مظاهراً ... بمعنبرٍ في حلةٍ ومجسدِ
كالدر فصلَ في وشاحِ خريدةٍ ... حسناءَ تجلى في نقابٍ أسودِ
وكأنهُ وكأنها من فوقهِ ... عنقودةٌ في زورقٍ من عسجد
في وصف الثلج :
الثلج يسقطُ أم لجينٌ يسبكُ ... أمْ ذا حصى الكافور ظلَّ يفركُ
ولعتْ به الأرضُ الفضاءُ كأنها ... من كلِّ ناحيةٍ بثغرٍ تضحكُ
شابت ذوائبها فبينَ ضحكها ... طرباً وعهدي بالمشيبِ ينسكُ
البرق :
وانظرْ إلى لمعِ البروقِ كأنها ... يومَ الضرابِ صفائحُ الفولاذِ
السحاب و الطل :
أما ترى الطلَّ كيفَ يلمعُ في ... عيونِ نور تدعو إلى الطربِ
في كلِّ عينٍ للطلِّ لؤلؤةٌ ... كدمعةٍ في جفون منتحبِ
والجوُّ في حلةٍ ممسكةٍ ... قد طرزتها البروقُ بالذهبِ
و قيل في الصبح و الفجر و الليل :
وصبيحةٍ باكرتها في فتية ... أضحوا لكل نفيسةٍ كالأنفسِ
والليلُ قد ولى بعبسةِ راحل ... والصبحُ قد وافى ببشرِ معرس
والفجرُ قد أخفى النجوم كأنهُ ... سيلٌ يفيضُ على حديقةِ نرجسِ
و قيل في النهر :
ومطردٍ صيغَ من لؤلؤٍ ... وقد أعشبَ النبتُ في جانبيهِ
كأن ينابيعهُ محجرٌ ... وقضبُ الرياحينِ هدبٌ عليهِ
و من أحسن ما قيل في الورد :
شجراتُ وردٍ أصفرٍ بعثتْ ... في قلبِ كلِّ متيم طربا
خطرت بنود زبرجدٍ حملتْ ... أجوافها من عسجدٍ أهبا
فإذا الصبا فتقتْ كمائمها ... سحراً ومالَ الغصنُ وانتصبا
شبهتها بخريدةٍ وضعتْ ... في الخضرِ من أثوابها لهبا
سبكتْ يدُ الغيم اللجين لها ... وكسته صبغاً مونقاً عجبا
يا من رأى من قبلها شجراً ... سقى اللجين وأثمر الذهبا
في و صف حال الشتاء و الربيع :
سل الربيعُ على الشتاء صوارماً ... تركتهُ مجروحاً بلا أغمادِ
وبكت له عينُ السماءِ بأدمعٍ ... ضحكتْ لساجمها ربى الأنجادِ
وبدتْ شقائقها خلال رياضها ... تزهى بثوبي حمرةٍ وسوادِ
فقنو حمرتها خضابُ نجيعه ... وسوادُ كسوتها لباسُ حدادِ